السلوك الحزبي لجماهير الوفاق علي العصفور
السلوك الحزبي لجماهير الوفاق
علي خليل العصفور
asfoory@gmail.com
39796919
~ الفهرس ~
الحلقة الخامسة: علاقة جماهيرالوفاق بالأحزاب الأخرى 16
إهداء
إلى سماحة الأمين العام الشيخ علي سلمان حفظه الله ...
مقدمة
مع الإعتراف بأن الحديث عن السلوك الحزبي لجمهور الوفاق الوطني الإسلامية ربما يصطدم مع الكثير من العوائق ذات الجذور المختلفة، إلا أنه باب حديث لا بد أن يطرق عاجلا أم آجلا. و لربما كان طرقه عاجلا أكثر فائدة و خدمة لهذا الجمهور من تأجيل لوقت غير معلوم. فعلى الرغم من عدم وجود تنظيمات بأسماء حزبية، إلا أن الجمعيات السياسية في البحرين صرّحت في أكثر من مورد عن نيتها التحوّل إلى أحزاب سياسية تارة و عن كونها جمعيات بهيكليات حزبية تارة أخرى. ذلك مع يقين الجميع أن العائق الوحيد دون ذلك التحوّل هو القيد القانوني الذي يفرضه قانون الجمعيات السياسية و الذي أثار حينها جدلا و لغطا واسعا. البعض ربما ينطلق في معارضته لهذا الطرح لكون الأحزاب السياسية فكرة مذمومة أو أنها منشأ لمزيد من الإنشقاقات و الخلافات البينية. إلا أنّ الواقع السياسي الذي يقول بأن الأحزاب السياسية هي الصيغة الإجتماعية الأكثر تطوّرا في سبيل تنظيم المجتمعات البشرية لنفسها من أجل ضمان تمثيلها العادل و الحقيقي ضمن اللعبة السياسية الديمقراطية في بلدانها. أضف إلى ذلك أن هناك بعض التنظيمات السياسية في البحرين و التي مارست التنظيم الحزبي السياسي في السابق و تحترف ذلك السلوك السياسي تنطلق في تعاملاتها من تلك القاعدة، و أنّ القاعدة الوفاقية بهذه الممارسة أو بآلياتها و أساليبها و فنونها قد يكون سببا في كثير من الإرباك للبرنامج و الإيقاع الحزبي.
أتناول في هذه السلسلة من المقالات حول "السلوك الحزبي لجماهير الوفاق" خمسة عناوين رئيسية هي كالتالي:
أولا: الكوادر الحزبية و المشاركة التنظيمية: حيث أعرض في هذا الجانب تقسيم الجمهور الوفاقي إلى عدد من المراتب بحسب درجة اندماجهم في التنظيم، كما أسلط الضوء على الطريقة المثلى في التعاطي و التعامل مع هذه التقسيمات.
ثانيا: الألوان و العلامات الحزبية: و هنا أتناول بشيء من التفصيل و الأمثلة السلوكيات الحزبية العالمية في توظيف اللون و الشعار (الرمز) ضمن ممارستها الحزبية و مدى نجاح أو عدم نجاح الجمهور الوفاقي في مثل ذلك التوظيف.
ثالثا: الإنقياد و النقد داخل الحزب: و الموضوع تحت هذا العنوان يتركز في مشكلة وضوح آلية النقد داخل الحزب و كيفية التعامل مع مختلف أنواع النقد و مصادرها، كما أتناول مسألة الإنقياد الحزبي و تأثيره على قرارات و إيقاع النشاط الحزبي.
رابعا: توليفة القرار داخل التيار: نظرا لأهمية موضوع صنع القرار داخل التيار فقد أفردت له هذا العنوان، و أؤكد على أنني هنا أتناول توليفة القرار داخل التيار و ليس آلية اتخاذ القرار داخل الجمعية نفسها، حيث أتناول دور العلماء و موقعهم القيادي في مسألة القرارات المصيرية.
خامسا: علاقة جماهير الوفاق بالأحزاب الأخرى: و أتناول بعض الثغرات الموجودة في تعامل جمهور الوفاق مع جمهور التنظيمات و الأحزاب الأخرى و أربط ذلك بالموضوع في الحلقة الأولى و كيف أن إدراك ذلك الأول يقلل بشكل كبير من الإخفاقات في التعامل مع تلك الجماهير.
ختاما، أود التأكيد على أن كل ما سيرد في هذه المقالات هو محض آراء شخصية ليس لها أي إلزام لأي من الدوائر التنظيمية في الوفاق، كما أنها نتيجة قراءة متأنية و طويلة للإيقاع الحزبي لهذا الجمهور، سائلا المولى أن يوفقني فيما كتبت و أن يغفر لي ما أخفقت.
الحلقة الأولى: الكوادر الحزبية و المشاركة التنظيمية
في ورقته بعنوان "نظرية الأحزاب السياسية" استخدم الكاتب صلاح نيوف مصطلح "الحزب و مخلصيه" بالإشارة إلى مجمل الجمهور ذي العلاقة بالحزب. الجميل في تعبير الحزب و مخلصيه عوضا عن مصطلح الحزب ومنتميه أو منتسبيه، هو أن الإخلاص يتوزع على درجات فهناك من هو شديد الإخلاص و هناك من هو ضعيف الإخلاص، بينما الإنتماء و الإنتساب فهي عملية تتم بمجرد ملئ العضو استمارة العضوية و قبولها من قبل الحزب نفسه ليكون بذلك منتميا و منتسبا لهذا الحزب. و من الواضح أن ما يؤثر في سلوك الحزب و أداؤه و نشاطه و قدرته هو مدى إخلاص جمهوره و منتميه و منتسبيه له فضلا عن مجرد انتمائهم القانوني. على هذا الأساس قسّم صلاح نيوف أتباع الحزب إلى مجموعات ذات عناوين مختلفة:
ناخبو الحزب: و هم حسب تعريف الكاتب، الأشخاص الأقل ارتباطا بالحزب، حيث أن دورهم يبدأ و ينتهي ببدء و انتهاء العملية الإنتخابية. الجدير بالذكر أن هذه المجموعة من الناس لا تربطهم بالحزب أي صفة قانونية فهم ليسو أعضاء في الحزب، و لا مشاركين في حياتهم. كما أن أصواتهم ليست بالضرورة ثابتة لصالح الحزب. و هم بذلك يمثلون الغالب الأعظم من الناس و هم في مجملهم متعاطفون مع الحزب لوجود مصالح تعود عليهم بسبب نشاطه و أهدافه.
المنتمون إلى الحزب: أفراد هذه المجموعة هم الأعضاء الحقيقيون للحزب. و كما هو واضح فإن هناك أحزابا جماهيرية و أحزاب كوادر. أحزاب الكوادر قد لا تحظى بعدد كبير جدا من الأعضاء إلا أنها تحظى بعدد من الكوادر أو ما يسمى بالنخب. كما أنها قد لاتسعى في نشاطها لزيادة عدد منتسبيها بالمستوى نفسه الذي تسعى فيه إلى تنمية كوادرها و تدريبهم و تأهيلهم للقيام بمهام الحزب. و أنها قد تعتمد على تحالفاتها السياسية مع الأحزاب الجماهيرية للاستفادة منها في تحركاتها الميدانية و إثبات وجودها في الشارع السياسي. حيث يتضح ذلك جليا في جمعية العمل الديمقراطي (حزب كوادر) و تحالفها مع جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (حزب جماهيري).
ناشطو الحزب: الناشطون هم فئة من مجموعة المنتمين، أي أنهم الأعضاء الفاعلون في الحزب. هذه المجموعة هي العمود الفقري للحزب حيث الإعتماد الأكبر عليها لتحقيق أهدافه و إنجاز برامجه. كما أن هؤلاء يكرّسون جهدهم ووقتهم لتنفيذ قرارات أعضاء و قيادات الحزب. فتجد هؤلاء ينشطون في الإعلام و الكتابة و الترويج للحزب، كما يسعون للدفاع عن الحزب و إقناع الآخرين بأهدافه و برامجه و قراراته. و في الوقت الذي قد يكون بعضهم موظفا لدى الحزب فإن البعض الآخر يقوم بذلك بدافع الحب و الإخلاص للحزب و قياداته و أهدافه.
قيادات الحزب: هي مجموعة الأمانة العامة و الهيئة الإستشارية و رؤساء الدوائر العاملة بالحزب. حيث تقع على عاتق هذه المجموعة اتخاذ القرارات و رسم الإستراتيجيات و التكتيكات السياسية التي يتبناها الحزب لتحقيق أهدافه المرحلية و الإستراتيجية. كما أنها الجهة التي تمثل الحزب في لقاءاتها مع بقية الأحزاب و الجهات و الناس سواء في التحالفات أو اللقاءات العامة. و تجدر الإشارة هنا إلى دور القيادات الروحية التي قد لا تكون منتمية قانونيا للحزب إلا أنها تعتبر المرشد الروحي أو الموجه الروحي لقيادات الحزب و جمهوره إذ لا يمكن تجاهلهم –اي القيادات الروحية- بالرغم من عدم انضمامها القانوني للحزب. و من الواضح في البحرين أن المجلس الإسلامي العلمائي الذي يعد القيادة الروحية لتيار و جمهور جمعية الوفاق يقع ضمن هذه المجموعة من المخلصين للحزب.
الوفاق حالة جماهيرية:
ذلك ما يعبر عنه سماحة الشيخ علي سلمان في أكثر من مناسبة، بأن الوفاق تمثل حالة جماهيرية. ما يقصده بحالة جماهيرية هو أنها تتجاوز التنظيم الحزبي من أمانة عامة و مجلس شورى و دوائر ، إلى كونها حالة شعورية و اجتماعية تتفاعل معها الجماهير في حياتهم اليومية. و هو بذلك لحقيقة أن الوفاق ما هي إلا وريث للحالة الشعبية المقاومة و المنتفضة المعارضة سياسيا في البحرين بشقها الإسلامي الشيعي. إلا أن ذلك في الوقت الذي يعتبره البعض نقطة قوّة لصالح الوفاق، فإنها بلا شك تشكل عبئا من نوع آخر على الحزب. فبالرغم من أن أعداد أعضاء الحزب شهدت ارتفاعا كبيرا جدا بسبب "وقع ثم وقع" التي رافقت العريضة الدستورية، إلا أن أولئك اللذين انتمو للوفاق قانونا ليسو بالفعل إلا منتمين لفئة المتعاطفين من ناخبي الحزب و ليسو نشطاء أصلا، ما يلقي بعبء كبير على القيادات و الدوائر الحزبية للسعي المستمر و الجاد في تطويرهم و تأهيلهم و دمجهم في دوائر الحزب لينهضو بالأعباء و المهام الكبيرة التي تضطلع بها الوفاق. أضف إلى ذلك أن قلة الوعي الجماهيري بهذه الحقيقة - أي حقيقة تقسيمات المخلصين للحزب - و الذي كرّسته الحالة الجماهيرية الكبيرة للوفاق، هو ما يتسبب في كثير من الإرباك لعمل الوفاق و اتباعها لا سيما في بروزها و حضورها الإعلامي مع الأخذ بعين الإعتبار الصحافة التي تلعب دورا كبيرا في خلق هذا الوعي لدى الجماهير و تسبب من حيث قصد أو بدون قصد في خلق حالة من الخلط بين ما هو وفاقي و ما هو دون ذلك.
تناقص شعبية الوفاق:
و سؤال للتوضيح: هل تناقصت شعبية الوفاق فعلا؟ و هو سؤال طالما أشارت إليه بعض التقارير الصحفية في إشارة إلى تململ الشارع الوفاقي من أدائها. و للإجابة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن ما يعبر عنه من تناقص في شعبية الوفاق أو ما يعبر عنه بانزواء شارع الوفاق لصالح حركة حق التي انشقت عنها، لا يعدو كونه في غالبه انزواء مجموعة ناخبي الحزب لصالح حزب آخر أو فكرة أخرى، و ذلك كما سبق شيء طبيعي و متوقع حيث أن أفكار هذه المجموعة غير ثابتة و غير راسخة. بل أن هذه المجموعة من ناخبي الحزب التي مالت لصالح حركة حق مثلا أو غيرها، هي نفسها ليست ثابتة و ليست راسخة في قناعتها للجهة الجديدة التي اتجهت إليها، فبمجرد بروز مصلحة ولو آنية تستدعي تأييدها للوفاق مجددا لعادت للوفاق و أيدتها مرة بعد أخرى.
من هنا نصل إلى أن تبدّل قناعات البعض الكلية لصالح حركة أخرى أو جمعية أو حزب سياسي آخر، كما حصل للبعض على مستوى القيادات الحزبية، لا يقع ضمن هذه الدائرة حيث أن الكلام هنا يتناول الغالب الأعظم من الجماهير الّذين يعبّر عنهم و بسببهم أن شعبية الوفاق قد تقلّصت. إذا فالإجابة حول ذلك السؤال لا يمكن إعطائها بدقة إلا عندما يحين موعد انتخابات مصيرية مثلا من أجل أن تعيد تلك المجموعة تحديد موقفها. و مخطئ من يعتقد أنه استطاع أن يجتذب تلك المجموعة لصالحه و للأبد فهي بطبيعتها متحوّلة و متغيّرة.
أما الوفاقيون و الذين ينشط عدد منهم في المنتديات الإلكترونية و يديرون عددا من الحوارات فهم بحاجة ماسة لفهم هذه الحقيقة الحزبية و هي أن المتحاور على الجانب الآخر و صاحب النقد على الطرف الآخر و صاحب الهجوم على الطرف هو إما من حزب آخر يهمه أن يطعن و ينتقد و يتهجم و إما من الفئة المتحوّلة و المتذبذبة بين الأحزاب. لذا فإنه من أجل التأثير على تلك الفئلة، فإنه عليهم بدل الإفراط في المناقشات و السجالات و الردود أن يساهموا بقوة في تقويّة إعلام حزبهم الوفاقي عبر التأكيد على إنجازاتهم و برامجهم و نجاحاتهم. فالسبيل الأكبر لاقناع تلك الفئة من مجموعة الناخبين لا يكون عن طريق إقناعهم بخطأهم و خطأ تحليلاتهم و تصوراتهم، بل عبر الزخم الإعلامي الكبير الذي يشير و يروج لانجازات و برامج و نشاطات ونضالات الحزب و قياداته و كوادره. من جهة أخرى فإن الأجهزة الحزبية في الجمعية مطالبة بتكثيف نشاطها الترويجي للجمعية بهدف التمكن من تحويل أكبر عدد من مجموعة المنتمين للحزب إلى مجموعة النشطاء في الحزب. حيث أنه بالعودة للتعريف السابق لطبيعة المجموعات يتضح لنا أن الحزب لا يمكنه بالضرورة توجيه نشاط و حركة المنتمين إليه بقدر ما يستطيع توجيه و ضبط حركة النشطاء. و هنا تكمن أهمية أن يعمل ناشطو الحزب و قياداته إلى الاهتمام الجدي بمجموعة المنتمين و إعطائها الأولوية على بقية المجموعات من أجل النجاح بتحويلهم لمجموعة النشطاء، ما سيؤدي بالنتيجة لزيادة فاعلية دوائر الحزب و تحقيق برامجه.
أسباب النزوح:
إن ضعف أداء أي حزب – مقارنة بمنافسيه- أو إخفاقه في الإيفاء بوعوده سببان رئيسيان في خسران الحزب لجماهيره أو حتى المنتمين أو النشطاء أو القيادات. أما الخلل الأكبر من وجهة نظري فيكمن في عجز الحزب عن توضيح مواقفه و قراراته لمنتميه أو الناخبين بغرض إطلاعهم على التفاصيل التي تطمئنهم و تشركهم بدرجة و أخرى في الممارسة السياسية التي يقوم بها، ما سيسهم بقوة في الحفاظ على قناعاتهم و ارتباطهم به. أما عندما لا يجد الناخب أو المتعاطف إجابات وافية لتساؤلاته و استفساراته، أو عندما لا يجد ما يطمئنه من سلوك حزبه، فإنه بلا شك سيضعف إخلاصه للحزب و ربما لا يعود للتصويت له مرة أخرى.
تبقى نقطة أخيرة في هذا المجال فيما يتعلق بالمشاركة الحزبية ضمن دوائر و لجان الحزب و على رأسها انتخابات مجلس شورى الوفاق و مجلس التحكيم حيث لابد أن تعيش الجماهير الوفاقية حالة متقدمة من المشاركة القوية و الجماهيرية جدا في الانتخابات الحزبية خاصة ما يتعلق بانتخاب مجلس شورى الوفاق الذي من صلاحياته تحديد المرشحين الوفاقيين في الإنتخابات النيابية و البلدية و يتمكن من التدخل المباشر في عمل الأمانة العامة بالإضافة إلى صلاحياته في رسم و مراقبة أداء الأمانة العامة و بشكل غير مباشر مراقبة أداء الكتلتين النيابية و البلدية. من هنا لا بد أن تكون انتخابات شورى الوفاق من كبريات المواسم الحزبية داخل الوفاق و أن لا تقل كفائة الأشخاص اللذين يتم انتخابهم لهذا المجلس عن كفائة نواب الوفاق وقيادييها، فبقدر قوة و كفائة أعضاء شورى الوفاق تكون كفائة و قوة الأمانة العامة و قوته.
إن مثل هذه المشاركة في المواسم الانتخابية الداخلية، تعدّ مقياسا على مدى قدرة الحزب على جذب مخلصيه و قدرته على الاحتفاظ بهم، كما أنها مقياس لمدى قدرته على تحويل الكوادر منهم من مؤيدين إلى نشطاء و قياديين. أضف إلى ذلك أن مستويات المترشحين في مثل هذه الأجهزة الحزبية الحساسة تعتبر مؤشرا على ما يمتلكه الحزب من كوادر، و يكون مدى التنوع و التغير في تلك الوجوه مؤشرا آخر لقدرة الحزب على استثمار أنصاره و مصداقا لشفافيته و انفتاحه عليهم.
الحلقة الثانية: الألوان و العلامات الحزبية
تعد الألوان و الرموز "الشعارات" التي تعتمدها الأحزاب من أهم العناصر التي تسهم في صياغة و تشكيل الثقافة العامة لحزب ما، حالها في ذلك لا يختلف كثيرا عن حال الأندية و الفرق الرياضية حيث يتحول لون الفريق إلى علامة و دلالة على الإنتماء و التأييد. فكما تبدع الفرق الرياضية في الترويج للونها الخاص ليصبح هو الصبغة الظاهرة على كل ما له علاقة بالفريق من لباس و إعلانات و دعايات و أغاني و غيرها، كذلك فإن الأحزاب السياسية أيضا تميل إلى استخدام هذا الأسلوب لتعزيز انتماء مؤيديها من جهة و لتمييز كل ما ينتسب إلى الحزب من جهة أخرى لما في ذلك الأسلوب من تأثير اجتماعي و نفسي كبيرين. ليس ذلك فحسب، بل تكاد تكون الألوان أداة حساسة في موسم الإنتخابات و خلال عملية التصويت حيث يسهل على كل أفراد المجتمع بما فهيم الأميون –مثلا- تمييز أحزابهم من خلال الألوان بدل قراءة الأسماء. الألوان لسيت وحدها الأداة الترويجية للأحزاب، حيث كثيرا ما يضاف لها شعارا رمزيا ذا دلالة ما يكون بمثابة العلامة أو الـ"logo" الخاص بهذا الحزب. و بالمثل، فإن استخدام الفرق الرياضية لهذه الأداة تكاد تكون أكثر وضوحا حيث يمتاز كل فريق رياضي بشعار خاص. ففي الرياضة المحلية مثلا هناك الصقر الأهلاوي الأصفر و هناك الذئب المحرقي الأحمر و قس على هذا المنوال. وكما أن الأمثلة كثيرة و متنوعة بالنسبة للفرق الرياضية فإنها أيضا كثيرة و متنوعة بالنسبة للأحزاب السياسية في العالم.
أمثلة أحزاب عالمية:
في بريطانيا مثلا يمتاز حزب العمال الحاكم بلونه الوردي أو الأحمر و شعاره زهرة بينما حزب المحافظين باللون الأزرق و علامته الشجرة و حزب الدمقراطيين الأحرار باللون البرتقالي. أضف إلى ذلك أن الألوان تحولت في عرف الأحزاب السياسية إلى أداة تعرفة لتوجهات الحزب. فالأحزاب الشيوعية في كل العالم تتخذ اللون الأحمر شعارا لها، في وقت تميل فيه الأحزاب الليبرالية إلى اللون الأصفر و الإسلامية إلى اللون الأخضر بينما يمتاز المحافظين دائما باللون الأزرق باستثناء الولايات المتحدة الأميركية حيث يتخذ الحزب الدمقراطي اللون الأزرق بينما اتخذ المحافظون في الحزب الجمهوري اللون الأحمر.
هذا يقود للتذكير بمدى الأهمية التي توليها وسائل الإعلام و الساسة بل و الشعوب إلى رمزية اللون حيث صارت تنسب الثورات في بعض البلدان إلى ألوان الأحزاب التي قادتها، فالثورة البرتقالية في أوكرانيا أحد أنصع الأمثلة على ذلك. أما عند تسليط الضوء على الوطن العربي فيكفي استعراض مثال لبنان ذلك البلد ذي الوفرة في الأحزاب السياسية إذ تمتاز حركة أمل باللون الأخضر و الحزب الوطني الحر باللون البرتقالي بينما اللون الأصفر الجميل فقد أصبح ماركة مسجلة لحزب الله. ولأن تجربة حزب الله هي الأكثر تأثيرا في الجمهور الوفاقي فإنني سأسلط عليه الضوء أكثر -في هذه الحلقة- لبيان كيفية توظيف حزب الله إلى رمزية اللون في ثقافته و أدائه وفي سلوك جماهيره الحزبي.
حزب الله و اللون الأصفر:
من الواضح أن حزب الله الفتي "26 سنة فقط" يسعى دوما إلى توظيف لونه الأصفر بشكل بارز و جلي ما يعكس وجود استراتيجية قوية تدفع بهذا الإتجاه. فالمتابع لقناة المنار يجدها قناة صفراء، كذلك الزائر لموقع الحزب على الإنترنت فإن اللون الطابع عليه هو اللون الأصفر. ليس موقع الحزب فقط بل كذلك الصفحة الخاصة بالأمين العام للحزب فإن لونها هو الأصفر أيضا. أما ساحات الإعتصامات و التظاهرات و الإستعراضات فإن أعلام حزب الله الصفراء تعطيها صبغتها الخاصة في كل مناسبة و تجمع. و ليس الأمر حكرا على الأعلام و الشارات و العصابات و الشعارات الصفراء، و ليس الأمر حكرا على الجانب المرأي كقناة المنار و المواقع الإلكترونية ، بل إن عامل اللون تم توظيفه بشكل مباشر و مقصود في الأناشيد الحربية التي يتغنى بها أنصار الحزب كتلك الأنشودة التي تقول "بالأصفر عصبت جبيني و مشيت بموكب حزب الله".
التجربة الوفاقية في البحرين:
ما سبق يقودنا إلى نتيجتين هامتين. الأولى تتعلق بالحساسية التي تبديها الحكومة و بعض الأطراف في المجتمع من رفع أعلام حزب الله في التظاهرات و الإعتصامات و على السيارات وأسقف البيوت. سواءا قبلنا بهذه الحساسية أو عارضناها فهي حساسية لها ما يبررها في عالم السياسة. فعندما ينظر العالم إلى صورة مظاهرة تغزوها أعلام حزب الله الصفراء فذلك إيحاء صريح بانتماء هذه التظاهرة الحزبي إليه. وهنا يجدر التنويه إلى الفرق بين التأييد في الأهداف و الأساليب و الخط و بين حقيقة الإنتماء الحزبي التنظيمي لذلك الحزب، فحزب الله حزب لبناني و الإنتماء التنظيمي إليه محصور في أبناء ذلك القطر. تأييدنا لحزب الله و لأهدافه و أساليبه و اتفاقنا الإيديولوجي معه شيء، و التبعية التنظيمية شيء آخر. وسواءا بررنا أو لم نبرر فإن العالم الخارجي من السهل أن يقبل بالتشويش بأن هذه المسيرة أو تلك هي من تنظيم و تدبير ذلك الحزب و بالتالي التبرير لوجود خلايا مسلحة تابعة لذلك الحزب تخطط لانقلاب بين حين و آخر، و ما اختيار الحكومة لاسم "حزب الله البحرين" لمسرحية الانقلاب الأخيرة إلا أحد تلك الانعكاسات. لغة السياسة العالمية، و أعراف الأحزاب العالمية لن تقف كثيرا أمام تبريراتنا البحرينية الخاصة، و كذلك وسائل الإعلام العالمية التي تقوم بتغطية بعض المسيرات، حيث كثيرا ما نتسبب - بدون قصد أو عن تعصب غير عقلاني - في إرسال رسائل سلبية أو مغلوطة أو غير مفيدة كثيرة للعالم الخارجي بسبب رفعنا لأعلام حزب الله أو الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثلا. مثال آخر لتوضيح مدى خطورة الرسائل التي نرسلها للفرقاء السياسيين في هذا الوطن أو للمراقبين الخارجيين، هي ترك الرسالة التي يستلمونها عندما يقف الأب الروحي لتيار الوفاق سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم ليلقي خطبة في جمهوره و مريديه - الذين هم ذاتهم جمهور و مريدوا الوفاق- ليخطب في شأن داخلي محلي، بينما تكون الصورة المتصدرة للمنصة و للخلفية هي صورة الإمام الراحل الخميني أو السيد الخامنئي. مرة أخرى لن يفيد حجم ما نسوقه من تبريرات و تفصيل في هذا الجانب، فإن رفع الصور في المسيرات ذات الشأن الداخلي و تعليقها و توظيفها في المناسبات الوطنية الخاصة – و أشدد على الوطنية الخاصة - لا يفيدنا في شيء و لا يضيف إلى رصيدنا الوطني شيء بحجم ما يؤثر سلبا و يتسبب في إرسال رسائل سلبية كبيرة.
الوفاق و اللون الأزرق
أما النتيجة الثانية فهي محاولة للإجابة على السؤال حول حاجتنا لاستيراد ألوان و شعارات أحزاب خارجية في الوقت الذي قد اختار فيه حزب الوفاق الوطني الإسلامي في البحرين لونه و علامته الحزبية ألا وهو اللون الأزرق الرائع. إذ في الحقيقة أن ما تحتاجه جماهير الوفاق في هذا الصدد هو تعزيز استخدام اللون الأزرق الدال على الوفاق في كل الندوات و البرامج و المسيرات و الإعتصامات و الانتخابات التي تشارك فيها الوفاق. كما أن على الوفاق كتنظيم أن تسعى جاهدة لنشر ثقافة اللون الحزبي لدى اتباعها عبر حثهم على اقتناء أعلام و فانيلات و قبعات الوفاق الزرقاء التي يظهر عليها شعار الوفاق بكل وضوح.
إن الوفاق الوطني الإسلامي حزب بحريني و طني له اهتماماته الوطنية الكبرى كما أن له اهتماماته على مستوى الوطن العربي و الأمة الأسلامية. فكما أنه له رأي و موقف في قضايا الداخل فإن له رأي و موقف في قضايا الخارج كالقضية الفلسيطينية و العراقية و الحرب على الإرهاب و غيرها. بالإضافة إلى كل ذلك فإن واقع الوفاق كأكبر تجمع سياسي في منطقة الخليج ، و أنها تقود أكبر كتلة برلمانية في البحرين و من ورائها الكتلة الإنتخابية الأكبر يجعلها محط أنظار القوى الإقيليمية من جهة و العالمية من جهة أخرى لمعرفة مدى تفاعلها و أنصارها في ما حولها من قضايا و شؤون داخلية و خارجية. من هنا تنبع ضرورة أن تهتم الوفاق و جماهيرها لتعريف العالم بأنّ في البحرين حزب إسلامي كبير لونه أزرق يرفض الإحتلال الإسرائيلي و يرفض الغطرسة الأمريكية و يرفض أسلوب الحروب في المنطقة كما أنه يرفع مطالب وطنيّة مشروعة و سلميّة و هذا الحزب الأزرق فاز بأكبر كتلة برلمانية و يمثّل أكبر كتلة انتخابية في البحرين كما أنه يعتبر أكبر تجمع سياسي في منطقة الخليج. هذا الحزب ليس بحاجة إلى استنساخ ألوان الآخرين و شعاراتهم بل هو قادر على إبراز لونه و شعاراته الوطنية الخاصة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المسؤولية تقع على عاتق الجماهير بضرورة أن تشعر بالإعتزاز و الإنتماء إلى اللون الأزرق كما أنها أيضا تقع على عاتق الأجهزة الوفاقية و لا سيما دائرة العلاقات العامة و الإعلام لوضع ذلك ضمن استراتيجيتها و أولوياتها. ليس أسلوب إشاعة اللون الحزبي بالأسلوب الجديد في البحرين، حيث أن أحزابا يسارية و شيوعية في البحرين يلاحظ اهتمامها بحث شبابها على ارتداء قبعات و فانيلات بلون أحزابهم خصوصا في المسيرات و الإعتصامات الوطنية التي تشترك فيها مختلف الجمعيات السياسية. استخدام اللون الحزبي لا يقتصر على مناسبة دون أخرى و لا على فعالية دون سواها، فحتى انتخابات جامعة البحرين شوهدت خلالها الألوان الحزبية للتيارات اليسارية و العلمانية المشاركة فيها. فاللون الأصفر في البحرين يرمز إلى جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) –ليبرالية- فيما يرمز اللون الأحمر إلى جمعية المنبر الوطني الديمقراطي –شيوعية-. ففي الوقت الذي يمتاز فيه أنصار الجمعيتين المذكورتين بألوانهما الحزبية فإن جمهور الوفاق في تلك التظاهرات و الإعتصامات يتماز بتشتت ألوانهم رغم كونهم الغالبية العددية الساحقة في تلك التظاهرات و الإعتصامات التي لو ارتدى فيها جمهور الوفاق لونه الحزبي و رفع فيها أعلامه الحزبية لاصطبغت تلك المسيرة كلها باللون الأزرق الجميل و بدت كأنها سماء صافية رائعة. بل على العكس، كان شبابا وفاقيا في إحدى التظاهرات يرفع بطاقات بلون جمعية سياسية أخرى قامت بتوزيعها على المعتصمين و الهدف من استخدام ذلك اللون لا شك أنه ينطلق من منطلق حزبي خالص. إن رفع البطاقات تلك بلونها الحزبي الخاص من قبل جمهور جمعية الوفاق يدل على خلل في الوعي حزبي في هذا الجانب.
الحلقة الثالثة: الإنقياد و النقد داخل الحزب
بالرغم من التأكيد المستمر من قبل قيادات جمعية الوفاق الوطني الإسلامية و على رأسهم أمينها العام و رئيس كتلتها النيابية سماحة الشيخ علي سلمان بضرورة إتاحة الفرصة الكاملة أمام الجماهير الوفاقية لتوجيه النقد و الملاحظات على أداء الجمعية و أداء الكتلتين النيابية و البلدية، وبالرغم من الخطوات التي قطعت على هذا الخط و أهمها الإستجواب العلني لرئيس الكتلة بعيد انتهاء دور الإنعقاد الأول من الفصل التشريعي الثاني، إلا أن آلية النقد الداخلي لا تزال غير واضحة و غير مفعّلة و لا تزال جماهير الوفاق في الأغلب من سلوكها تستخدم أسلوب نقد خاطئ و آلية غير سليمة. إلا أنني و قبل أن أناقش ذلك أود أن أشير إلى الفرق بين وجود نقد داخلي و نقد علني.
النقد الداخلي و النقد العلني:
النقد الداخلي يمارسه أعضاء الكتلة النيابية و البرلمانية لبعضهم البعض، و تمارسه اللجان فيما بينها و تمارسه الأمانة العامة و ربما يمارسه النشطاء فيما بينهم و داخل أروقة الجمعية، و هو بلا شك يهدف لزيادة فاعلية الجمعية و تقليل الأخطاء و الإرتقاء بالعمل و كفائته. و هذا بالتأكيد نقد بناء و الأهم من ذلك أنه يكون مخلصا لأنه يشخص مواطن الخلل و يخاطب بها المعنيين مباشرة دون أن يسعى لأي زوبعة علنية أو بهرجة إعلامية.
أما النقد الآخر فهو النقد العلني و الذي ينشر في غالبه في الصحافة المحلية و في المنتديات الإلكترونية و المواقع الشخصية. و هذا النقد بطبيعته حمّال أوجه، فمع أنه قد يكون بنّاءا و قد يكون حريصا إلا أنه لا شك يحمل في طياته كثيرا من الإثارة و الزوبعة و قد لا يكون نابعا أصلا من حرص على تحسين الأداء و الإرتقاء به بقدر ما يكون بقصد التوهين و التضعيف و ذلك ما قد ينطبق عليه قول أمير المؤمنين علي عليه السلام " من نصح أخاه سرا فقد زانه، و من نصحه جهرا فقد شانه".
النقد الداخلي يكون نقدا حريصا، بينما النقد العلني قد يكون غير حريص، النقد الداخلي بنّاء بينما النقد العلني في أغلبه هدّام لا سيما عندما يشير إلى مواطن الخلل ليعلنها أمام الجميع من مراقبين و من منافسين و متربّصين، و هو في غالبه لا يكون صادرا عن نشطاء الجمعية و لا عن المنتمين إليها. قد يصدر من جملة الناخبين إلا أنه وبكل قوة يتركز في المنافسين للجمعية سواءا من أحزاب الموالاة للسلطة أو بقية الأحزاب التي تتنافس في الساحة تنافسا يكون سياسيا تارة و إيديولوجيا تارة أخرى. إلا أننا عندما نسلط الضوء على جمعية الوفاق الوطني الإسلامية نجد أنها بحكم موقعها كعمود فقري للمعارضة و كونها الأكبر تنظيما و جماهيرا فهي صاحبة الحظ الأوفر من النقد من حيث الكم و الكيف و الهدف. فهناك الصحف الحكومية التي لا تتوقف عن توجيه النقد و التهجّم على أداء الجمعية. أضف إليها بعض الجمعيات الحليفة و غير الحليفة التي لجأت لأسلوب النقد العلني ضد الوفاق لا سيما بعد السباق الإنتخابي الأخير. المنتديات الإلكترونية أيضا تمارس نوعا عنيفا من النقد و التهجّم ضد الوفاق هو في كثير منه نقدا هداما بقصد التوهين و الإضعاف و الإرباك لعمل الوفاق وزرع فتنة بين الجمعية و جماهيرها.
من جانب آخر فإن اشتراك عدد من كبار الرموز الوطنية المعارضة المنتمية إلى نفس الصف الإسلامي المعارض و التي مارست النقد العنيف و العلني ضد كثير من مواقف الوفاق و قراراتها و أطروحاتها قد ساهم بشكل ملحوظ في إحداث شرخ بين الوفاق و بعض الجماهير بدرجة ما، شجع بدوره للمزيد من النقد و الهجوم العلني الذي لم يقف دون التجريح و التسقيط. ذلك ما دعى سماحة الأمين العام إلى التعرّض لهذه المسألة في إحدى خطبه بجامع الإمام الصادق بالدراز حيث أشار إلى أن الوفاق بقدر ما أتاحت الفرصة للجميع للنقد دون أن تواجه النقد و التهجم بالمثل إلا أن ذلك لا يعني عجزها أو ضعفها عن مواجهة ذلك، بقدر ما هو حرص منها على عدم الخوض في مهاترات و إثارات إعلامية لا تؤثر إلا سلبا على قضايا الشعب.
عنترية نقد الوفاق:
و حول الموضوع نفسه نشرت مقالا سابقا بعنوان "عنترية نقد الوفاق" جاء فيه (لا يمكننا أن نطالب الجميع بتحري الإنتقاد البناء فهناك من يسعى فعلا لهدم هذه الجمعية السياسية الضخمة و هذا العمود الفقري للحراك الشعبي المطلبي. إن المشكلة تكمن في استخدام البعض انتقاد الوفاق مطية و طريقا سهلة لصناعة البطولات الإعلامية الوهمية. فكثيرا ما تطالعنا الصحف المحلية بمقالات و تقارير كتبها أشخاص هم على هامش الوزن السياسي و أشخاص شديدوا الخفة في ميزان التجربة السياسية و عديموا سمعة في هذا المجال. إلا أنهم و بحثا عن بطولة إعلامية و لفتل العضل، و لمواكبة موضة بطولة الإنتقاد الحاد و اللهجة الشديدة و التوصيفات القاسية، فإنهم لا يجدون ضالتهم إلا في انتقاد الوفاق. لا لأن الوفاق هي الطوفة الهبيطة، بل لأن الوفاق هي التجسيد الحقيقي للدمقراطية في الواقع البحريني. فهذا الكاتب الصغير و ذاك الصفر السياسي لا يجرؤ على انتقاد الحكومة بذات اللهجة التي ينتقد بها الوفاق.).
ما سبق يقودنا إلى حقيقة مساهمة الوفاقي الذي لا يراعي الأسلوب الأنسب في الإنتقاد في هدم الوفاق أو المساعدة في هدمها و إضعافها دون أن يعي. و ذلك لا شك يقودنا أيضا للتساؤل حول مدى إمكانية ممارسة النقد و مدى إمكانية ممارسة الإصلاح الذي تتطلبه الوفاق –بطبيعة الحال- و كيفية ممارسة الشفافية و حرية التعبير عن الآراء ضمن الجمعية.
و للإجابة على هذا التساؤل نحتاج أن نبني تعاملنا و ممارستنا على الأسس الإسلامية الصحيحة التي تنادي بنصر الأخ ظالما أو مظلوما، و تنادي بعدم كشف مساوئ الآخ للآخرين و عدم إشاعتها بين الناس. ذلك في مورد الأخوة و لا ننسى أن ما يجمعنا بالوفاق و قياداتها هي في الأساس هذه الأواصر من الأخوة الإسلامية قبل اللحمية. أما ثانيا، فنحن بحاجة لأن نبني ممارستنا و تعاملنا مع الوفاق على الأسس الحزبية التي تقضي بعدم إشاعة أسرار الحزب و عدم إشاعة نقاط ضعف أو إخفاقات الحزب.
بقية الأحزاب و معهم السلطة سيسعون لإشاعة هذه الأخطاء و الهفوات بل سيعملون بجد على تضخيمها و تأليب الناس من حولها، إلا أن المنتمين للحزب لا بد أن يكونوا منتبهين لهذه النقطة بحيث لا يكونوا لخصومهم أو منافسيهم عونا على حزبهم. كما أن الأسس الحزبية تقضي بالدفاع المستمر عن الحزب و عن سياساته و عن أهدافه حتى و إن شابها قصور و ذلك للحفاظ على هيبته و مكانته مع عدم إسقاط حق النقد، و النقد هنا لا بد أن يكون نقدا داخليا و قد سبق التفصيل في ذلك. بل إن الأسس الحزبية تقضي بأن يتمسك أعضاء الحزب و المنتمين إليه و المؤمنين بأهدافه و رؤاه بقراراته الصادرة عن سلطات اتخاذ القرار و إن كانت بعض تلك القرارات تخالف رغباتهم. ما يعني عدم الخروج عن قراراته مادامت تراعي الآلية المتفق عليها داخل الحزب. و كون الوفاق الوطني الإسلامية حزب قائم على تبني الأطروحة الإسلامية، فلا بد أن تكون تلك القرارات محل قبول شرعي كشرط إضافي آخر لتتم ضرورة التمسك بها من قبل أنصارها.
رفض قرارات الحزب:
أما في حالة الخروج عن القرار و رفضه، فلا بد أن يكون ذلك أيضا حسب الآلية التي تنص عليها اللائحة الداخلية للحزب أو ما ينص عليه النظام الأساسي، و الذي يسمح للجمعية العمومية أن تطالب حينها بانعقاد جمعية عمومية غير عادية أو بتنحية الأمانة العامة مثلا فيما لو ثبت عدم أهليتها و عدم كفائتها لتحقيق الأهداف المنصوص عليها. أما عندما يكون الخروج عن قرارات الحزب بطريقة مخالفة لنظامه الأساسي و لائحته الداخلية، فذلك قد يستتبع إجراءا إداريا ضد هذا العضو مثلا بالفصل أو التجميد حسب ما ينص عليه النظام الأساسي أيضا.
من جهة أخرى فإن التمرد على قرارات القيادات الحزبية و رفض الإلتزام بها و رفض الإلتزام بالنظام الأساسي للحزب و مواده، فإن ذلك قد يؤدي إلى الإنشقاق الحتمي و تأسيس حزب آخر يلبي طموح وأهداف الذين لا يريدون الإلتزام بقرارات الحزب الأصلي. ذلك ما حصل حقيقة في الوفاق حيث أدى ذلك الأسلوب إلى انشقاق ما عرف بجماعة "العدالة و التنمية" و لاحقا انشقاق عدد من القيادات التي شكلت فيما بعد "حركة حق". الحقيقة التي لا يمكن نكرانها، هو أن أولئك المنشقون أنفسهم، يسعون إلى إقناع أنفسهم و من يتبعهم بضرورة الإلتزام بقراراتهم من أجل المحافظة على وحدتهم و قوتهم، و فيما لو تكرر المشهد عبر رفض القرارات و رفض اتباع الآلية السليمة للنقد فإن ذلك سيؤدي مجددا لانشقاقات أخرى و تشكيل أحزاب و تنظيمات جديدة.
النتيجة التي نستخلصها من ذلك، هو ضرورة الحفاظ على وحدة القرارات الحزبية الصادرة عن قيادات الحزب و أجهزة الحزب حتى لو تكاثرت الآراء و التنظيرات. ذلك ما صار يطلق عليه مؤخرا في البحرين "تعدد الآراء ووحدة القرار"، حيث لا بأس من تعدد الآراء و الإقتراحات و الرؤى حول موضوع ما و حول قضية ما، إلا أننا مادام انتخبنا أمانة عامة للحزب و أوليناها ثقتنا فعلينا بالتالي أن نثق في قراراتها و أن نلتزم بها و ندافع عنها. و في حال أخفقنا في ذلك أو فرّطنا في ذلك، فنحن نكون سببا في إضعاف قراراتها و هيبتها و بالتالي إضعافها عن تحقيق أهدافها.
الحلقة الرابعة: توليفة القرار داخل التيار
بالرجوع لكون النواة الأولى لتكوين الحالة الجماهيرية العريضة التي ورثها ما صار يعرف بجمهور الوفاق تعود إلى الصحوة الإسلامية التي اجتاحت المنطقة العربية في ثمانينيات القرن المنصرم، و ما رفعته من شعارات إسلامية مدوية من قبيل العودة للتمسك بأحكام الإسلام و رفض الظلم و رفض الهيمنة الطاغوتية - أمريكية أو شيوعية أو غيرهى - على البلاد الإسلامية. قبل تلك الحقبة لا يكاد يوجد في البحرين غير الأحزاب اليسارية و الشيوعية و القومية و التي كانت تتمتع بقوة في التنظيم وفي الحضور الجماهيري. و كانت – أي هذه الأحزاب- تؤثر و تتأثر كثيرا بمثيلاتها في بقية دول العالم، القومي بمصر، و الشيوعي بروسيا و البعث بالعراق. أما بالنسبة للجماعات أو الأحزاب الإسلامية فبالرغم من تكون جماعة تحمل أفكار الإخوان المسلمين في البحرين إلا أنها لم ترتقِ حينها لتكون تنظيما حزبيا بالمعنى الدقيق للحزب. و على الرغم من أول ظهور لحزب سياسي إسلامي شيعي في العالم الإسلامي وهو تنظيم حزب الدعوة الذي أسسه المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر إلا أن فكرة الأحزاب السياسية لم تكن تحظى بشعبية أو حتى قبول في الوسط الفقهي الشيعي، ذلك أن التصدي للشأن العام و قيادة المجتمع كانت و لا تزال في رأي هذا الفقه مقتصرة على نائب الإمام عليه السلام، أو بتعبير آخر الولي الفقيه.
القرار بين الحزب و المرجعية:
"الغطاء الشرعي"، "الشرعية"، "المرجعية الدينية"، كلها مصطلحات اصطدمت بها التجربة الحزبية الشيعية في محاولتها للتوليف بين التنظيم السياسي المتمثل في الحزب و آلية اتخاذ القرار فيه المحكومة في الغالب بقرار الأغلبية الخاضعة لعملية التصويت في حال اختلاف الآراء، و بين سلطة القرار الممنوحة بحكم الدين إلى الفقيه المتصدي للشأن العام، و الأخير له اعتباراته و مقاييسه و نظرته الخاصة التي لا تنفك تكون خاضعة للتكليف الشرعي الذي يرتأيه. و لعل الفشل في إنجاز هذه التوليفة الحساسة هو أحد أسباب الإنفصال الذي حدث بين حزب الدعوة و بين الشهيد الصدر في وقت لاحق من عمر ذلك الحزب. و لعل الإشكالية هي نفسها التي حاول المجلس الإسلامي العلمائي علاجها و لكن بطريقة مستحدثة تناسب التجربة البحرينية. فجمعية الوفاق الوطني الإسلامية التي تشكلت بعد توقيع الميثاق لتكون التنظيم السياسي العلني الأول لهذا التيار الكبير و لتكون الحاضن الأكبر لآلام و تضحيات و جراحات السبعينات و الثمانينات و التسعينات من القرن المنصرم، هذا التنظيم عانى من الإشكالية ذاتها فيما يتعلق باتخاذ القرار الحاسم لهذه الجماهير في محاولة حساسة للإجابة على التساؤل حول من يتخذ القرار لهذا الشعب، هل هو الحزب السياسي المتمثل في جمعية الوفاق، أم أنها المرجعية الدينية المتمثلة في المجلس الإسلامي العلمائي حاليا أو ما كان يسمى بـ"القيادة العلمائية" سابقا؟
تخوّف و ضمانة:
من الواضح أن كون سماحة الشيخ علي سلمان على هرم الهيكلية الحزبية لهذا التنظيم، وعدد من المشايخ في مختلف المواقع في الجمعية يشكل أهمية بل ضرورة بالغة لحفظ العلاقة بين هذ الحزب السياسي و بين مرجعية الجماهير الدينية، إلا أنه –أي سماحة الشيخ- ليس ضمانة كافية لتأمين عدم انحراف هذا التنظيم في مفصل من المفاصل عن قرار العلماء و توجيهاتهم عند الأخذ بعين الإعتبار آلية التصويت لانتخاب الأمين العام و الذي لن يكون بالضرورة سماحته على طول المسار. ذلك ما يدفع المرشد الروحي لهذا التيار رئيس المجلس الإسلامي العلمائي آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم للإستفادة من منبره لإرسال رسائله الصريحة والواضحة و العلنية للتذكير و التحذير بأن أي انحراف للوفاق عن خط العلماء فإن ذلك يعني بالتأكيد سحب الغطاء الشرعي عنها بل و التصدي لها و تسقيطها.
منشأ هذا التخوف و مبرره هو أن النظام الأساسي لجمعية الوفاق لا ينص صراحة على أن قرارات الجمعية محكومة بقرار العلماء. أو بتعبير آخر، فإن العلماء –حسب النظام الأساسي للوفاق- لا يملكون حق النقض "فيتو" على قرارات الأمانة العامة ، فالجمعية و أعضائها ملزومون بالإحتكام إلى التصويت و اتخاذ القرار بالأغلبية، و هي الآلية التي تنتقدها الحالة العلمائية في البلد في أكثر من مورد لأنها لا يمكن أن تكون ضمانة لعدم انحراف قرار الجمعية عن التكليف الشرعي للجماهير. كما أن اتخاذ القرارات بالآلية المنصوص عليها لا يرقَ لأن يكون تكليفا شرعيا يجب على الجماهير المؤمنة العمل به.
في مقابل ذلك يتقن سماحة الأمين العام لعب دور المطمئن للمجلس الإسلامي العلمائي و قياداته، فتارة "أنا سيف بيد الشيخ عيسى أحمد قاسم"، وتارة أخرى موجها للجماهير الوفاقية بأن قرار العلماء الأفاضل هو القرار الأقوى و هو القرار الملزم للجماهير، "إذا قلت شيئا و قال الشيخ شيئا آخر، فالتزموا بكلام الشيخ". تعبير الشيخ علي سلمان و إن جاء بصيغة شخصية إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن دلالاته الرمزية التي تنسحب على الوفاق كمؤسسة و لا تنحصر به كشخص.
ذات الموضوع و ذات التصريح يربك وضع الوفاق أمام حلفائها وفرقائها السياسيين حيث الضغط المتواصل و الكبير على الوفاق لمعرفة أي القرارات هي القرارات سارية المفعول، هل هي قرارات المجلس الإسلامي العلمائي أم أنها قرارات الأمانة العامة للجمعية. فالقرارات عندما تكون بيد المجلس فذلك يمثل مشكلة بالنسبة لتلك الأحزاب السياسية إذ أن المجلس العلمائي يقع خارج كل التحالفات السياسية و هو ما لا يمكن معه حساب و بناء التحالفات .
و بالرجوع إلى ما سبق من عدم وجود الضمانة الباعثة لاطمئنان العلماء من أن الوفاق لن تحيد عن خط المجلس الإسلامي العلمائي، فإن الإهتمام يتوجه نحو الرهان الآخر و الضمانة الأكبر ألا وهي وعي الجماهير و إيمانها حيث أن إيمان الجماهير –الإيمان الديني المرتبط بالفقيه- لا شك يدفعها للالتصاق بالمرجعية العلمائية. من هنا كثر التنظير في مسألة القيادة و علاقة الأمة بالقائد من وجهة نظر الإسلام، كما كثر استدعاء الأمثلة و الحوادث التاريخية لتدعيم هذا الرأي، مثل استدعاء مثال مالك الأشتر، و صلح الحسن، و تحكيم علي و معاوية و قرار الإمام الخميني بوقف إطلاق النار. اطمئنان المجلس الإسلامي العلمائي بتمسك الجماهير بهذا الخيار يعطي اطمئنانا كبيرا بأن هذه الجماهير لن تنتخب لإدارة الوفاق إلا من يحقق شرط الولاء التام للحكم الشرعي، و ذلك هو الحل الأمثل لاستمرار حالة الوفاق بين الحزب و مرجعيته الدينية.
صعوبات و عوائق:
إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة أبدا. إذ أن إدراك الحكومة و بقية الفرقاء السياسيين في البلد لهذا الأمر و ما يمثله من حصانة وقوة كبيرة بيد العلماء دفعهم بشكل كبير لتبني توجيه وسائلهم الإعلامية للسعي الحثيث لضرب هذا الوفاق بين الحزب و بين العلماء. هذا المطلب الصعب لا يمكن تحقيقه إلا من خلال زعزعة ثقة الشارع الوفاقي بقيادته العلمائية و خياراتها. فالحكومة و بقية الأحزاب السياسية غير قادرة على تغيير دستور الوفاق كما أنها ليست قادرة على تغيير الخطاب العلمائي، إلا أنها قادرة و بقوة و حرفية لخلق خطاب إعلامي مضاد وموجه لإضعاف العلماء في عيون الجماهير و العمل الدؤوب و المركز لفصل الجماهير عن العلماء و تشجيعهم على عدم الإلتزام بتوجيهاتهم. الشواهد على هذا الإعلام المضاد واضحة و كثيرة، فمثلا في الصحف اليومية حيث كتاب الأعمدة، و تصريحات حكوميين و سياسيين تهاجم ارتباط قرار الوفاق بقرار العلماء و اطلاق التهم على العلماء من قبيل الإقصائية و التفرد و التسلط و غيرها، كما أنها تدعو الوفاق صراحة لتبني مرجعية سياسية مدنية بدل المرجعية السياسية الدينية كما هو في تصريحات أمين عام إحدى الجمعيات الحليفة للوفاق. شواهد مماثلة وغيرها من خطط و مؤامرات لتحطيم هذا الوئام يكشف عنها بدقة ذلك التقرير المخيف الذي أصدره مركز "مواطن". حيث اشتمل التقرير على فصل كامل لخطة محكمة لضرب و اسقاط المجلس الإسلامي العلمائي. و لا بد أن تتم الإشارة هنا إلى أنه لا يمكن أن يغيب عن الأذهان دور السياسة الأمريكية عبر خارجيتها و سفارتها في مشروع إسقاط المجلس الإسلامي العلمائي حيث لا يمكن أن تسمح الولايات المتحدة الأمريكية لأي حالة إسلامية بالنهوض لا سيما عندما تكون هذه الحالة من أكبر مناهضي الإدارة الأمريكية في المنطقة كما أنها المسؤولة عن قرارات من قبيل مقاطعة البضائع الأمريكية و تسيير المظاهرات المناهضة لها و تحريض الناس دائما و أبدا ضدها. النجاح في ذلك الهدف، و إسقاط المجلس الإسلامي العلمائي، أو فصل الجماهير عن مرجعيتهم العلمائية، يعني إفشال العمل الدؤوب الذي ربما سعى سماحة الأمين العام الشيخ علي سلمان من جهة، و العلماء الأفاضل من جهة أخرى لإنجازه و ترسيخه، و هو إرساء عرف اجتماعي غير مكتوب، خاص بهذا التيار يقضي بتبعية الجماهير للعلماء و إعطاء الوفاق مساحة من الإستقلال بقراراتها الإدارية، و متى ما كان قرارا حاسما و اختلفت فيه رؤية الوفاق عن رؤية العلماء فإن القرار النهائي الذي تلتزم به الجماهير هي رؤية و قرار العلماء بدون تردد. هذه النتيجة الرفيعة التي سعى لها الطرفان، هي وحدها كفيلة بإنجاح هذا الحزب السياسي الفتي ليكون تجربة حزبية ناجحة في العالم الإسلامي.
الحلقة الخامسة: علاقة جماهيرالوفاق بالأحزاب الأخرى
هذه هي الحلقة الخامسة و الأخيرة من سلسلة مقالات "السلوك الحزبي لجماهير الوفاق" حيث تناولت الحلقة الأولى نبذة تاريخية عن نشأة الأحزاب السياسية التابعة للتيارات الإسلامية الشيعية و منها نشأة حزب "جمعية الوفاق الوطني الإسلامية" في البحرين و علاقتها بالمرجعية الدينية المتمثلة في القيادة العلمائية عبر المجلس الإسلامي العلمائي. كما تناولت الحلقة الثانية من هذه السلسلة دور و أهمية الألوان و العلامات الحزبية و دلالاتها على الهوية و الإنتماء السياسي و ضرورة الترويج و الإلتزام باللون الأزرق الممثل لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية و ما يمثله من مقياس لمدى حضور الوفاق في الشارع السياسي الميداني. في الحلقة الثالثة تناولت الكوادر الحزبية و مشاركتها في العمل الحزبي مع بيان مستويات الإنتماء الحزبي حسب تقسيم الكاتب السوري الدكتور صلاح نيوف. أما الحلقة الرابعة فقد كانت مخصصة لموضوع النقد و الإنقياد داخل الحزب وتمت الإشارة فيها إلى ضرورة الإلتزام بآليات النقد السليم و أساليب النقد البناء و أهمية الإنقياد و الإنصياع التام لقرارات الحزب لتجنب مغبة الإنشقاقات و الإنقسامات التي قد تعصف بالحزب فيما لو تم التهاون في هذا الجانب. في هذه الحلقة أعرض لموضوع حساس و شائك ، ألا وهو علاقة جمهور الوفاق الوطني الإسلامية بالأحزاب و التيارات الأخرى و جماهيرها. فبالرغم من عدم وجود تنظيمات بمسميات حزبية، إلا أن طبيعة الحراك السياسي في البحرين قائم على تنظيمات بهياكل حزبية تحت مسميات مختلفة، كجمعيات أو حركات سياسية، مع وجود رغبة جدية و حقيقة لدى الجميع لإعلان التحول لأحزاب سياسية فيما لو سمح القانون بذلك. أما حساسية الموضوع فهي تكمن في أن العلاقة التي تربط جمهور الوفاق بغيرها هي علاقة تكون تارة تحالفا سياسيا أو تمازجا أديولوجيا. فمن ناحية ترتبط الوفاق بجمعيات مثل العمل الوطني الديمقراطي و المنبر الوطني التقدمي بتحالف سياسي يعبر عنه في أكثر من مقام بأنه "استراتيجي". كما أنها تمتزج إيديولوجيا و سياسيا بجمعية العمل الإسلامي حيث المشتركات السياسية و الدينية و المذهبية الكبيرة. أما علاقتها بحركة حق فهي تكاد تكون الجانب الأكثر حساسية كون الأخيرة ولدت نتيجة انشقاق صعب عسير و مدوِّ لم يرض الأصدقاء بقدر ما أسعد الخصماء، لا تزال آثاره قائمة حتى اليوم بالرغم من مرور زمن غير قصير على هذا الإنشقاق المؤلم. و بالمثل تلك العلاقة التي بات من المحتم على الوفاق أن تنظر إليها نظرة فاحصة و مدققة حول كيفية تعاطي جماهيرها مع جماعة ما يعرف بـ"التحرك الجديد" الذي يقوده المعارض السياسي الأستاذ عبدالوهاب حسين القريب جدا من توجهات و أفكار حركة حق.
إلا أنه و رغم حساسية الموضوع، فالصراحة لا بد أن يكون لها مكان، و لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها ووضع اليد على الجرح. و هنا ينبغي التسليم بعدد من الحقائق القائمة على الأرض، ألا وهي: أن علاقات الوفاق الوطني الإسلامية مع بقية التنظيمات السياسية تقوم على أساس مشتركات دينية وطنية و على أساس مشتركات سياسية وطنية. و للدقة أكثر فإن المشتركات السياسية هي التي تحكم علاقات الحزب السياسية أكثر منها مشتركات أخرى و هذا ما يسهم في تعقيد المسألة أكثر. صحيح أن حركة حق في مشتركاتها الدينية مع جمعية الوفاق تكاد تكون متطابقة من حيث المعتقد و من حيث التاريخ النضالي و التضحيات المشتركة، إلا أن المنهج السياسي المختلف بين الطرفين و الممارسة السياسية المتابينة بينهما تسهمان بشكل كبير في خلق الفتور الكبير في علاقاتهما البينية. جمعية العمل الإسلامية هي الأخرى تجمعها مشتركات دينية و مذهبية و اجتماعية كبيرة مع جمعية الوفاق إلا أن ذلك ليس وحده سبب التحالف مع الوفاق إذ من الواضح أن التحالف قائم على أساس المشتركات السياسية التي تجمع بين الطرفين.
قد يكون ذلك ديدن الأحزاب السياسية في رسم علاقاتها و تحالفاتها التي تعتمد أساسا على المشتركات و التقاطعات في الأهداف و البرامج و أساليب العمل السياسي، إلا أن هناك اخفاقا في ممارسة التثقيف اللازم للجماهير الوفاقية بشأن هذه التحالفات القائمة و التي إن وصفت بأنها استراتيجية إلا أنها لا تكاد تكون إلا تحالفات في مجال محدد من مجالات العمل السياسي في وقت لا تزال هذا التحالفات أضعف من أن ترتفع بأطرافها عن مستوى المنافسة السياسية. بمعنى آخر، على الرغم من وجود التحالف بين تلك التنظيمات السياسية إلا أن حالة المنافسة و الغيرة السياسية تكاد تكون هي السمة الأبرز لعلاقات المتحالفين. و عليه، فمجرد تحالف الوفاق مع هذه الجمعية أو تلك و تنظيمها لفعاليات و مؤتمرات و خطوات مشتركة لا يعني أن تتحول جماهير الوفاق لجماهير مضمونة للجمعية الفلانية أو الحركة الفلانية، كما لايعني أبدا أن يتحول صناع القرار في تلك الجمعيات و الحركات إلى قادة و رموز لجماهير الوفاق، بل هم قادة و رموز لجماهير جمعياتهم و تنيظماتهم ليس إلا. أما جماهير الوفاق فإنهم يلتزمون بقرارات جمعيتهم و قيادتهم الدينية فحسب.
لا يصح من جماهير الوفاق أن تتأثر أو تنصاع لقرار أو موقف خاص بجمعية أو حركة سياسية أخرى أو أن تكون مرغمة على الإنخراط فيه ما لم تكن هناك دعوة أو توجيه صريح صادر من الأمانة العامة بهذا الشأن. لا يعني ذلك حجرا أو ديكتاتورية ضد بقية الجمعيات و الحركات السياسية، فكل طيف سياسي و كل تنظيم سياسي من حقه تدشين ما يراه من برامج، و فعاليات، و عرائض و اعتصامات و تظاهرات أو غيرها من أساليب العمل السياسي، إلا أن أحدا ليس من حقه أن يفرض على جمهور جمعية أو حركة ما أن ينخرط ضمن هذه الفعالية أو تلك. كما ليس من حق أي تنظيم بعد أن يقدم على فعالية أو ممارسة سياسية أن يحمل الآخرين نتائج فشله أو اخفاقه. العلاقة بين التنظيمات السياسية لا بد أن تكون علاقة قائمة على الإحترام التام لرمزوها السياسية، و قياداتها الروحية، و خياراتها السياسية عندما تكون تلك الخيارات تصب في صالح الوطن و صالح النهوض بالمواطن على الصعد السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية.
أما في ملفات التنافس السياسي، لا سيما في أجواء الإنتخابات و ملفات التباين السياسي، فلا بد من الإلتزام بقبول نتائج العملية الدمقراطية مادامت متطابقة مع الآليات الدمقراطية. و الخطر هنا خطر صراع طائفي حين تكون الاصطفافات على أسس طائفية أكبر منها على أسس سياسية لا سيما في ظل الواقع الطائفي المحموم الذي يلف منطقتنا الإقليمية. كما أنه خطر صراع إيديولوجي لا سيما بين العلمانية و الإسلامية و بين ولاية الفقيه و ولاية الحاكم.في كل ذلك لا يمكن تناسي الدور الحكومي في إذكاء مثل هذه الصراعات البينية و الخلافات الداخلية بين الجمعيات السياسية المعارضة التي لا تزال تفتقر للشجاعة المطلوبة لتجاوز تلك المصائد الطائفية و الإيديولوجية.
ليس المراد هو التركيز كثيرا على العلاقة بين الأحزاب السياسية كتنظيمات، بقدر ما هو التركيز على علاقة الجماهير الوفاقية بغيرها من التنظيمات و غيرها من الجماهير، إلا أن ضرورة فهم طبيعة العلاقات السياسية و منشأها و التعرف على العوامل التي تؤثر عليها تسهم بشكل كبير في خلق سلوك حزبي صحيح لا يتأثر سلبا بتحوّل التحالفات أو فتورها. و الواقع السياسي البحريني يشهد حدوث عدد من الرجات و الهزات داخل الجماهير الوفاقية أهمها، جدلية التسجيل ضمن قانون الجمعيات الو التي نتج عنها انشقاق جزء من القيادات الوفاقية لتشكل حركة حق فيما بعد بالإضافة إلى انشقاق جزء من جمهور الوفاق ليكون جمهورا تابعا لحق.
كما شهدت الجماهير هزة أخرى إبان المعركة الإنتخابية 2006 و ما صاحبها من منافسة شديدة بين الحلفاء الإستراتيجيين للوفاق لا سيما أمل و وعد فيما يخص توزيع المرشحّين حيث كثرت و لا تزال تتكاثر التصريحات و التصريحات المضادة. و اعتقد هنا أن إدارات الجمعيات السياسية حينها أخفقت في شرح وجهة نظرها بشكل واضح لجماهيرها و تركت الجماهير تستقي الموقف و تستقرئه من واجهات الصحف فقط، علما بأن الصحافة ليست نزيهة دائما في نقل المعلومة الصحفية أو الخبر الصحفي. إن من أكبر الخطأ السياسي أن تكون الصحافة غير الحزبية هي الواسطة الأولى و الوسيلة الأولى للتخاطب بين الحزب و جماهيره. و إذا نظرنا للواقع البحريني فالوفاق تكاد لا تملك من الصحافة اليومية شيئا حيث تلك الصحافة إما حكومية و إما علمانية، و أن كثيرا من تغطياتها و فبركاتها الإعلامية و تقاريرها الصحافية تكون مضرة و كيدية للوفاق و جماهيرها.
في مقابل هاتين الهزّتين يمكن القول أن الوفاق نجحت بشكل كبير في إظهار التماسك بين جمهورها و بين أمانتها العامة لا سيما بعد الأحداث الأمنية الأخيرة كقضية ديسمبر الشهيرة و ما شهدته من اعتقالات واسعة و مقتل للمواطن علي جاسم و كذلك قضيتي كرزكان و المعامير و غيرها حيث كثرت السجالات بين جماهير مختلف التنظيمات لا سيما جماهير كل من أمل و حق و الوفاق و الاتهامات المتبادلة بين الأطراف بشأن التخاذل تارة و الحماس الأعمى تارة أخرى و غيرها من توصيفات مزعجة كـ (الإنبطاحية) و غيرها. ذلك الوضع اضطر سماحة الأمين العام الشيخ علي سلمان لتخصيص خطبتين من خطب الجمعة في جامع الإمام الصادق بالدراز للحديث حول الخيار الإستراتيجي للجمعية ألا و هو الإصلاح السياسي السلمي و المشاركة في الحياة النيابية و الدفع للوصول إلى تبادل سلمي للسلطة، بين خلالهما دور الوفاق في الحراك السياسي المعارض في البحرين و الدقة التي تلتزمها الوفاق في تحديد خياراتها و قراراتها السياسية.
و ربما أن من أهم ما قاله حينها أن الوفاق لا يمكن أن تنجر لأي معركة لا ترتضيها أو لم تقم باختيارها، و أن ليس على بقية التنظيمات السياسية أن تفرض معاركها و خياراتها على الوفاق فالوفاق ليست "مراهقا" يحتاج إلى توجيه و تلقين. ذلك ذاته ما يفيد الجماهير الوفاقية لمعرفة أن خياراتهم هي خيارات جمعيتهم و قيادتهم العلمائية، كما أن حراكهم السياسي لا بد أن يكون ضمن تلك الدائرة و متناسقا معها. فالدور الحساس و الخطر للجماهير يتطلب دائما وعيا تاما بأنماط السلوك الحزبي الصحيح الذي يسهم بشكل كبير في تقوية عمل الحزب و إنجاح برامجه بدل أن يتحول إلى عبئ يثقل كاهله.ذلك ما توقعه البعض بعد حملة "وقع ثم وقع" حيث راهن كثيرون على فشل الوفاق في توجيه جماهيرها و السيطرة عليها. إلا أن الوفاق و رغم كل الصعاب و العقبات الداخلية (داخل الوفاق) و الخارجية (خارج الوفاق) لم تنهزم عن أن تخطو خطوات قوية و متماسكة للحفاظ على موقعها الريادي من جهة و على علاقاتها السياسية مع الآخرين من جهة أخرى.
تبقى هنا جدلية علاقة الجمهور الوفاقي بالجمهور الآخر من التيارات العلمانية و اليسارية. و هنا لا بد من التذكير بحقيقة انحسار الجماهيرية عن تلك الأحزاب وأنها أحزاب نخبوية و ما تفرضه تلك الحالة من ضرورة تعزيز التحالفات مع الأحزاب الجماهيرية من أجل أن تتمكن من تعزيز وجودها في أذهان الناس و من أجل زيادة فرص الحصول على قدرة المنافسة الإنتخابية في مواسم الإنتخابات. فبقاء حزب ما بحالته النخبوية يفقده القدرة على المنافسة الإنتخابية و الوصول للمقاعد النيابية أو البلدية بل و الرئاسية. لذلك فإن تلك الأحزاب ليست مستعدة بأي حال من الأحوال أن تفقد تحالفاتها مع الإسلاميين، كما أنها تصر بقوة على أن تحظى بقدر من التنازلات يسمح لها بالتواجد في المعترك النيابي أو البلدي وأخيرا حتى النقابي و الطلابي. و الحديث عن التنازلات نتيجة حتمية نظرا لعدم اطمئنان تلك الأحزاب اليسارية إلى حالتها الجماهيرية التي لا يمكن أن تصمد في المعارك الانتخابية. على هذا الأساس تبني تلك الأحزاب علاقاتها و تحالفاتها سواءا الآنية أو الاستراتيجية. إلا أن المفارقة أن بعض رجالات تلك التنظيمات تخرج منهم بين الحين و الآخر تصريحات تسيئ بحالة التعايش القائمة بين رفاق المعارضة السياسية كما تسيء لمشاعر جماهيرهم كالتعرض المستمر من قبل أولئك القياديين لمقام القيادات الروحية للجمعيات الإسلامية و خصوصا جمعية الوفاق. بل يبلغ الحال بذلك البعض لأن يحرّض جماهير الوفاق للتمرد على نصائح و قرارات القيادات الدينيية و أبرز لك المواقف قضيتي الأحوال الشخصية و الكتلة الإنتخابية الواحدة بشرط الإيمان و الكفائة.
في هذا المورد ينبغي على الجماهير أن تكون صريحة وواضحة برفض هذا السلوك و بالدفاع عن خياراتها و قناعاتها و قياداتها بالأسلوب الحواري و الحضاري. ففي الوقت الذي لا يدعو أحد للتصادم و التراشق بين جماهير الأحزاب المختلفة، فإن أحدا لا يحجر على الآخرين الدفاع عن قناعاتهم و آرائهم. ليس صحيحا أن يقف الوفاقيون موقفا سلبيا من وصفهم (بالبهائم و الغنم) أو وصف قياداتهم الدينية بأنها (متخلفة رجعية) (متهورة) أو (أنها ديكتاتورية متسلطة). كما ليس صحيحا منهم أن يقفوا موقفا سلبيا من تكرار الدعوات و التحريضات من قبل رؤساء الأحزاب الأخرى بضرورة أن يتنازل الوفاقيون عن قياداتهم الدينية و أن يختاروا لهم قيادة سياسية مدنية. إن مثل هذه التصريحات الحساسة جدا و المحرضة لا تسهم أبدا في خلق حالة تعايش سليمة بين مختلف الجماهير، كما أنها تستفيد من ضعف الوعي الحزبي لدى الجماهير الوفاقية من أجل أن تملي عليها قناعات و قرارات ليست متوافقة و لا متناسبة مع خيارات الوفاق نفسها. إذا كانت جماهير الوفاق قد قادت مسيرة تاريخية ضخمة للتنديد بالإهانات البذيئة التي أطلقها سفيه مجلس النواب البحريني على مقام القيادات العلمائية، فإن جزءا كبيرا من التصريحات و المقالات التي تصدر من زعامات سياسية في الجمعيات الحليفة للوفاق و التي تمس العلماء و كفائتهم تحتاج إلى مسيرات من المقالات و التصريحات للتنديد و إعلان الرفض.
ختاما تبقى الإشارة إلى أن علاقة الجماهير الوفاقية بجماهير أحزاب الموالاة، حيث من الضروري التذكير بقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام "كونوا زينا لنا و لا تكونوا شينا علينا" و قوله عليه السلام "كونوا دعاة لنا بأفعالكم" و قول الإمام علي عليه السلام "لو أسقيناهم العسل المصفى ما ازدادوا فينا إلا بغضا". إن تلك الأقوال المأثورة تكاد تكون الضابط الرئيسي الذي ينبغي أن تكون عليه سلوكياتنا في علاقاتنا مع المختلفين في الرأي و الموقف. كما تنبغي الإشارة إلى أننا كوفاقيين يجب أن نكون أحرص الناس على عدم الإنجرار إلى مستنقع الصراع الطائفي و الظلم الطائفي، ففي الوقت الذي قد نفشل فيه في تحييد القيادات في الأحزاب الموالية، فإننا قد نسهم في تحييد جماهيرهم على الأقل.